سيد قطب

2625

في ظلال القرآن

ومع ملكة سبأ وقومها . وفيها تظهر نعمة اللّه على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة . وهي نعمة العلم والملك والنبوة مع تسخير الجن والطير لسليمان . وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول . ويبرز بصفة خاصة استقبال ملكة سبأ وقومها لكتاب سليمان - وهو عبد من عباد اللّه - واستقبال قريش لكتاب اللّه . هؤلاء يكذبون ويجحدون . وأولئك يؤمنون ويسلمون . واللّه هو الذي وهب سليمان ما وهب ، وسخر له ما سخر . وهو الذي يملك كل شيء ، وهو الذي يعلم كل شيء . وما ملك سليمان وما علمه إلا قطرة من ذلك الفيض الذي لا يغيض . وتليها قصة صالح مع قومه ثمود . ويبرز فيها تآمر المفسدين منهم عليه وعلى أهله ، وتبييتهم قتله ؛ ثم مكر اللّه بالقوم ، ونجاة صالح والمؤمنين معه ، وتدمير ثمود مع المتآمرين : « فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا » . . وقد كانت قريش تتآمر على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتبيت له ، كما بيتت ثمود لصالح وللمؤمنين . ويختم القصص بقصة لوط مع قومه . وهمهم بإخراجه من قريتهم هو والمؤمنون معه ، بحجة أنهم أناس يتطهرون ! وما كان من عاقبتهم بعد إذ هاجر لوط من بينهم ، وتركهم للدمار : « وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ » . . ولقد همت قريش بإخراج الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتآمرت في ذلك قبل هجرته من بين ظهرانيهم بقليل . فإذا انتهى القصص بدأ التعقيب بقوله : « قل : الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى . آللّه خير أم ما يشركون ؟ » . . ثم أخذ يطوف معهم في مشاهد الكون ، وفي أغوار النفس . يريهم يد الصانع المدبر الخالق الرازق ، الذي يعلم الغيب وحده ، وهم إليه راجعون . ثم عرض عليهم أحد أشراط الساعة وبعض مشاهد القيامة ، وما ينتظر المكذبين بالساعة في ذلك اليوم العظيم . ويختم السورة بإيقاع يناسب موضوعها وجوها : « إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ : إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ . وَقُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها ، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . . والتركيز في هذه السورة على العلم . علم اللّه المطلق بالظاهر والباطن ، وعلمه بالغيب خاصة . وآياته الكونية التي يكشفها للناس . والعلم الذي وهبه لداود وسليمان . وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم . . ومن ثم يجيء في مقدمة السورة : « وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ » . ويجيء في التعقيب « قُلْ : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ . بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ » . . « وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ . وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ويجيء في الختام : « سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها » . . ويجيء في قصة سليمان : « وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ » . . وفي قول سليمان : « يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ » . . وفي قول الهدهد : « أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ » . وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة ، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن ، إنما يقدر على هذه : « الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ » . وهكذا تبرز صفة العلم في جو السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كله من المطلع إلى الختام . ويمضي سياق السورة كله في هذا الظل ، حسب تتابعه الذي أسلفنا . فنأخذ في استعراضها تفصيلا .